ابن كثير
339
البداية والنهاية
بئر - فسبقنا المشركين إليها فوجدنا فيها رجلين : رجلا من قريش ومولى لعقبة بن أبي معيط فأما القرشي فانفلت ، وأما المولى فوجدناه فجعلنا نقول له كم القوم ؟ فيقول هم والله كثير عددهم شديد بأسهم فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه حتى انتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له كم القوم ؟ قال هم والله كثير عددهم شديد بأسهم . فجهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره كم هم فأبى ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سأله كم ينحرون من الجزر فقال عشرا كل يوم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم " القوم ألف ، كل جزور لمائة وتبعها " ( 1 ) ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف ( 2 ) نستظل تحتها من المطر ، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه ويقول : " اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد " فلما طلع الفجر نادى الصلاة عباد الله ( 3 ) فجاء الناس من تحت الشجر والحجف فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرض على القتال ثم قال " إن جمع قريش تحت هذه الضلع الحمراء من الجبل " فلما دنا القوم منا وصاففناهم إذا رجل منهم على جمل له أحمر يسير في القوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا علي ناد حمزة " وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر ، فجاء حمزة فقال : هو عتبة بن ربيعة وهو ينهي عن القتال ويقول لهم يا قوم أعصبوها برأسي وقولوا جبن عتبة بن ربيعة ، وقد علمتم أني لست بأجبنكم ( 4 ) . فسمع بذلك أبو جهل فقال : أنت تقول ذلك والله لو غيرك يقوله لأعضضته ( 5 ) قد ملأت رئتك جوفك رعبا . فقال : إياي تعير يا مصفر استه ( 6 ) ؟ سيعلم اليوم أينا الجبان فبرز عتبة وأخوه شيبة وابنه الوليد حمية فقالوا : من يبارز فخرج فتية من الأنصار مشببة فقال عتبة : لا نريد هؤلاء ، ولكن نبارز من بني عمنا من بني عبد المطلب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قم يا حمزة ، وقم يا علي ، وقم يا عبيدة بن الحارث بن المطلب " فقتل الله عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة ، وجرح عبيدة فقتلنا منهم سبعين ، وأسرنا سبعين وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب أسيرا ، فقال العباس : يا رسول الله والله إن هذا ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق ما أراه في القوم . فقال الأنصاري : أنا أسرته يا رسول الله . فقال : " اسكت ، فقد أيدك الله بملك كريم " قال : فأسرنا من بني عبد المطلب العباس وعقيلا ونوفل بن الحارث هذا سياق حسن وفيه شواهد لما تقدم ولما سيأتي .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في مسنده 1 / 86 و 126 و 1 / 156 دون ذكر بدر . ورواه البيهقي من طريق الحسن بن محمد الزعفراني وفيه : أخذنا رجلين : أحدهما عربي والآخر مولى . وروى ابن هشام بنحوه في السيرة 2 / 255 - 256 . ( 2 ) في رواية البيهقي : والجحف . ( 3 ) في رواية البيهقي : الصلاة جامعة . ( 4 ) زاد البيهقي ، يا قوم إني أرى أقواما مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير . ( 5 ) أي قلت له : أعضض بأير أبيك . ( 6 ) يا مصفر استه : قال في النهاية : رماه بالابنة ، وانه كان يزعفر استه ! وقيل كلمة تقال للمتنعم المترف الذي لم تحنكه التجارب .